السيد علي عاشور

114

موسوعة أهل البيت ( ع )

الرابع وقد قضوا نذرهم ، أخذ عليّ عليه السّلام بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين عليهما السّلام وأقبل نحو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع ، فلمّا بصر به النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم ؟ انطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها تصلّي لصق بطنها بظهرها من شدّة الجوع ، وغارت عيناها ، فلمّا رآها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم قال : واغوثاه باللّه ، أهل بيت محمّد يموتون جوعا ! فهبط جبرئيل عليه السّلام فقال : يا محمد خذّ هنّأك اللّه في أهل بيتك ، قال : وما آخذ يا جبرئيل ؟ فأقرأه : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إلى قوله : إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً إلى آخر السورة . وزادني ابن مهران الباهلي في هذا الحديث : فوثب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم حتّى دخل على فاطمة ، فلمّا رأى ما بهم ، انكبّ عليهم ثمّ قال : أنتم منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم ! فهبط جبرئيل بهذه الآيات : إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً « 1 » . قال : هي عين في دار النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم تفجّر إلى دور الأنبياء والمؤمنين « 2 » . وعن جابر بن عبد اللّه : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم أقام أيّاما لم يطعم طعاما حتّى شقّ ذلك عليه وطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة شيئا فأتى فاطمة عليها السّلام ، فقال يا بنيّة هل عندك شيء آكله فإني جائع ؟ فقالت : لا واللّه بأبي أنت وأمّي . فلمّا خرج من عندها بعثت إليها جاريتها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها ووضعته في جفنة لها وغطّت عليها وقالت لأوثرنّ بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم على نفسي ومن عندي ، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام ، وبعثت حسنا وحسينا عليهما السّلام إلى رسول اللّه فرجع إليها ، فقالت : بأبي أنت وأمّي قد آتانا اللّه بشيء فخبّأته . قال : هلّمي ، فأتته فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملؤة خبزا ولحما ، فلمّا نظرت إليه بهتت فعرفت أنّها كرامة من اللّه تعالى فحمدت اللّه تعالى وصلّت على نبيّه . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلم : أنّى لك هذا يا بنيّة ؟ قالت : هو من عند اللّه إنّ اللّه يرزق من يشاء بغير حساب .

--> ( 1 ) الدهر : 6 - 8 . ( 2 ) مناقب ابن المغازلي : 267 ، ح 250 ، وأخرجه الماوردي في تفسيره : 7 / 168 ، والزمخشري في ربيع الأبرار : 2 / 147 ، وراجع التذكرة الحمدونيّة : 1 / 87 ، ح 154 .